كُنت حاملا في شهري الثامن ممتلئة
بطفلتي و شغفي ، كان حماسي يحلق بي في الأرجاء ، أختي قادمه من الغربه بعد أن
أنجبت طفلةً كالقمر أستولت على قلبي ونصبت عرشها في وسطه وأطرافه كانت تلك الفتره
تعج بالإحتفالات و الفرح تخرج و حفلات زفاف و صديقات عائدات من الغربه ، كُنت
سعيدةً جداً بل كُنت متشبعه بالسعادة .
فجأة حدث مالم يكن بالحسبان ! و وجدتُ
نفسي حبيسة المستشفى لأن طفلتي في خطر ! و حين طالت المُده كانت طبيبتي تلمّح لي
أحياناً ستوقعين على أوراق إخلاء المسئولية ، ربما نضطر لأستصال رحمك ربما لا
نستطيع أنقادك و تتوالى تلك الأوراق التي أُذيلها بتوقيعي أو بصمة أصابعي المرتجفه
، لا أدري كيف مرت تلك الأيام ! في الواقع أعلم تماماً كيف مرت مُتشابهه بطيئة لا
تنقضي رغم لطافة المُمرضات و بشاشة وجوههن ، كانت تسليتي الوحيده إستماعي لدقات
قلب صغيرتي ، كنت أمضي تلك الدقائق وانا أطمّن نفسي و أخبرها أن كل شيء سيكون على
مايرام بما أن طفلتي على مايرام فلا يهم أي شيء أخر ! لم أحب أبداً رؤية أمي قلقه
ولم أحب نبراتها المُرتجفه وهي تقول : الحمدلله مب أعظم الحمد لله مب أعظم ، كُنت
أتحاشى النظر في أعماق عينها لأني سأرى فيها ألمي و قلقي الذي لم أصرح به أمامها
فأنا أخشى عليها من ثقله ، لكنها أُم ! والأم تعلم كُل شيء أو كما تقول أمي – عندي
طير أخضر يعلمني كلش – كنت أحنق على ذلك الطائر في صغري لأنني لم أستطع أكل قطعة
حلى زائدة ولم أمارس شغبي كما أُريد لأن
ذلك الطائر المُغفل سيخبرها ولذلك أحببت أن نافذة المشفى لا تُفتح وأن
ستائره سميكه فأنا لا أريده أن يراني ذلك الطائر أبكي ويخبرها ، كُنت أخدعُ نفسي
وأطمئنها بقصة الستائر المغلقه وفي أعماق نفسي أعرف يقيناً أن كُل دموعي تنحدر من
عينيها وكُل خفقات قلببي الخائفه تُعانق أضلعها و تختفي
و مع مرور الأيام و إقتراب موعد العمليه
و كثرة حديث الطبيبه عن الإجراءات و " لازم زوجك يوقع " تخدرت أحاسيسي
فلا أفكر بشيئ سوى نبضات صغيرتي و حركتها ، كنت أمضي الوقت بالثرثره مع الممرضات و
الطبيبه و الكثير من القراءة و القليل من التلفاز ، كانت الأيام تمر بوتيره متسارعه
ليلاً و طويله و بطيئة نهاراً ، رغم كثرة الزوار فقد كنت ممتلئة بالملل و الأفكار
التي لا تُحصر تحت تصنيف واحد و كانت حالتي النفسيه تُشبه جداً مؤشراً معطلاً ،
أحيانا أغلب خوفي و أسلي نفسي بتجهيز ما سأقدمه لضيوفي أو بإختيار أي ثوب وردي سترتديه
صغيرتي ، و أحياناً أخرى تنهزم شجاعتي فأجد نفسي أبكي في منتصف الكتاب أو حينما
تبتسم لي ممرضة !
بشكل أو آخر مرت الأيام وأتى الصباح
الموعود ! السادس من أوقست الساعه التاسعه صباحاً ، أخذوني إلى غرفة الولادة قسم
العمليات القيصريه أحداث أحداث ثُم : البكاء الوحيد في العالم الذي يرمز للفرح
والبدايات الجميله .
ربما هو طول المُده التي أمضيتها طريحة
الفِراش وربما كمية القلق التي أمتلئتُ بها لا أعلم بالضبط مالذي حدث و أثار مارد الكابة أو كما تدعوه إليف شفق [
اللورد بوتون ] !
تدريجياً فقدت الصله مع العالم ، كُل
شيئ أصبح بلا طعم ولا ميزة و أصبحتُ أمارس الحياة ولا أحياها ، إتشّح الصباح
بالرمادي وتحولت الليالي لمسارح بكاء ونوبات غضب غير مُبرره !
أصبحتُ أكره الزيارات رغم محاولات أمي
الحثيثه لأستقبال المُهنئين كانت إجابتي دائماً : مالي خلق ! كانت تسليتي الوحيده
هي النوم ! كنت أنام بلا هواده أصحو فقط للضروره القصوى ( إرضاع طفلتي ) ثم أعود
للنوم لأنه المهرب الوحيد الذي كُنت أراه : ( ، و تدريجياً فقدت القدره على أرضاع
صغيرتي وكأن البقعه السوداء التي سيطرت على عقلي إمتدت لجسدي وأحكمت قبضتها !
فأصبح ألم العمليه لا يُطاق و النوم تعب و الجلوس مأساة ، الغريب أني كُنت أعلم أن
مصدر ذلك التعب هو رأسي ومشاعري المُشتته ! لكن لم أستطع السيطره على أي شيئ !
كان الوضع وكأني إنقسمت لقسمين ! القسم
الأول : يُحارب الثقل و السواد و يريد أن يستيقظ لكن للأسف كان يقبع تحت أطنان
الخوف و القلق و البكاء والغضب و الكثير
من السلبيه التي لا تغني ولا تسمن من جوع ! ورغم هيمنة ذلك الجزء إلا أنه لم يفرض
كامل السيطره فلا زلت أستطيع أن أبتسم و أتحدث مع أمي و جدتي بفضل الجزء المقاوم
وفي لحة ضعف صغيير ربما ليست لحظة كاملة بل جزء من الثانية إستسلمت ! وحينها بدأت
في الهبوط للقاع ! وكأنني خرجتُ من جسدي لأراقبني وأنا أتدحرج من قمة حياتي إلى
أسفلها فلم يعُد الكلام خياراً مطروحاً ! وأنا التي أشتهرتُ بثرثرتي و أصبح البكاء
هو البديل و كأني أخرج كُل ماتراكم على روحي طوال تلك السنوات ف خاصمت الجميع
تقريباً وحتى غضبت على من رحلوا خلف الموت ! و لم يعجبني شيء و أصبح الصراخُ نبرتي
و الإمتعاض شعاري إلى أن لامست القاع ! حينها رأيت طريق الصعود و بدأت أتماسك و لم
تعد سمائي مكفهره تعددت الأسباب المؤدية للصعود لكن أقواها زوجين من الأعين
الصغيره التي ترقب كُل تصرفاتي و : ماما شكلك حلو لمّا تضحكين ، ربما كان عتابهم
البريء وربما كنت قد استنفذتُ كُل طاقتي السوداء لا أعلم !
عُدت ولكني لستُ كالسابق : فما بين
سقوطي و ارتفاعي من جديد تقيأت كل الضعف و الكسل ! تخلصت من قيود كثيره كبلتني
بدون مُبرر ربما هي فورة الحياه وربما أكون تغيرت للأفضل والأبد لا أحد يمكنه أن
يعلم .
تعرفين انّي احبك صح؟ ❤️
ردحذفأمّنا❤️