مختصر الحكاية:
قصة مقتبسة من بضع أفلام وملل.
تنهد بعمق محاولاً أن يزفر كُل وجعه بلاجدوى
فالألم قد تمكن من روحه، أطفئ سيجارته بعصبية والتفت ليجد زوجاً من العيون يطالعه
بنظرات ملؤها الشفقة، تصارعت حُمرة الخجل والدموع في صدره من سيطفو ليشكل ملامحه؟ أعفاه
صوت الرجل الواقف أمامه من الاختيار عندما همس: ياوليدي ارحم نفسك!
لم يستطع
الرد لم تسعفه حنجرته البارزة ولا أنقذه صوته الجهوري عادةً، في الواقع لم يتعرف
على النبرات المتحشرجة التي خرجت من فمه وهو يهرب بعينيه الممتلئة بالدموع، يعلم
الله أنه أرادها اعتذارا يليق بهيبة الرجل المُسن الواقف أمامه لكنها أصبحت همهمة خافته
غير مفهومة لم يتجاوز صداها أبعد من أنفه لتسقط في الفراغ الذي تعثر فيه وهو يسارع
بالهرب ويأتيه من خلفه التقريع الذي يُلهب ذكرياته: تراها لازالت تكره الدخان!
ركب سيارته على عجل وسارع بالهرب قبل أن يسيطر
عليه اختناقه وينهار بالبكاء، نعم لطالما كرهت رائحة التبغ لذلك أقلع عنه وهو الذي
عُرف بإدمانه وعناده، أوقف السيارة عند أول حاوية في طريقة أمسك بعلبة السجائر والولاعة
ليتخلص منها، لكن علقت نظرته على لون القداحة الوردي كان قد اختاره بعفوية و تجمدت يده في الهواء وقد
كاد يسمع صوتها الرقيق العابث: الوردي لون البنات، ترددت العبارة في أذنه كأسطوانة
مشروخة لتقضي على دفاعاته وتنهمر دموعه في
سيل عنيف بلل لحيته النامية، كل تلك الذكريات التي تراكمت في صدره والأوجاع التي
عشعشت على أعماقه اندفعت إلى الخارج في انفجار قوي، انهمرت دموعه بشدة، تلك الدموع
التي حبسها طويلاً خلف الأمل والكبرياء والتجلد الواهي، بكى شوقه وعشقه! ذلك العشق
المخادع الذي رحل قبل الأوان، ضرب بيده على مقود السيارة وكأنه يفرغ انفعالاته واعتراضه
التي يعلم بيقين أنها بلا فائدة فقد تتالت الشهقات وفلت زمام البكاء حتى أُصيبت
عيناه بالجفاف وأصبحت مرأةً لروحه تماثل فراغها وحيرتها وجفافها.
لم تبدأ القصة بهذا الوجع بل كانت حكايةً وردية كلاسيكية
مُستمدة من الأفلام العربية حيثُ أحبت الفتاه العذبة ابن الجيران السيء وقررت أنها
ستنحته بالحب وتصنع منه شخصاً مختلفاً، لن
أُطيل بالتفاصيل فقد جُمعت الرسائل المُتبادلة في صندوق وردي كان أول قطعة أثاث
دخلت منزلهما الصغير، ولو كانت الحياة تُقتبس من فيلم " الجميلة و
الوحش" لسرد ذلك الصندوق قصة الرسالة الأولى ولهفة البدايات والحيرة التي
وقعت في القلوب والترقب اللذيذ وأول لقاء ثم الشجار الأول و الوردة الحمراء المجففة
بين صفحات ديوان الشعر المُفضل.
يحتوي الصندوق أيضاً على صورة باهتة وقديمة لطفلة
صغيره باكية بثوب وردي تقبض على قطعة حلوى ذائبة وشريطة شعر مجعدة وخلفها يقف طفل
أكبر ضاحكاً بأسنان ناقصة وتتراقص عيناه ب خبث ودهاء! بينما تشي بقع الشوكولاتة
حول فمه بأسباب بكاء الطفلة.
صورة أخرى لفتاة لا تتجاوز الخامسة عشرة تتصنع
الهدوء والحنكة لكن المرح يفيض من ابتسامتها العريضة وتتفجر وجنتاها من الخجل،
كُتب خلف الصورة: لمّا صورتني أول مره!
ثم فاتورة بالية وقديمة لدرجة أن حبرها قد زال
فأصبحت بيضاء صافية لكنها هناك لسببٍ ما قد تكون أول مره في مطعم أو سوبر ماركت
جمعتهم صدفة جميلة في ممراته.
لنترك بداية القصة الان ونعود لحاضر الفتى
المشاغب، استجمع ما استطاع من شتاته ليعود للمنزل، تستقبله أمه عند الباب ويرى في
نظراتها لوعتها عليه ويوقن أنها تعلم أين كان! حتى وإن لم تخمن بنفسها فقد وردها
اتصال من صديقة عمرها: تراه كان واقف عند بابنا اليوم، يستأذنها ليصعد إلى حجرته
علّه يجد مهرباً من ألمه لكن سرعان ما سخر من نفسه حين دلف إلى الحجرة واستنشق
الذكريات المتناثرة، عبر تلك النافذة كان يراقبها خلسة وهي تذرع الفناء ممسكةً
بكتابها وتحادثُ نفسها وليغفر الله له كُل المرات التي أقسم فيها أنه لن ينظر
ونظر! والمرات التي ألقى فيها أقرب شيء ليده نحو فنائهم فقط ليستمتع برؤيتها تفر
نحو المنزل برعب ويغرق هو في الضحك ويعد: ٥ ٤ ٣ ثم تقتحم أخته الغرفة: سخيييييييف
بغت تموت من خوفها!
وبالقرب من فراشه تقبع تلك الرواية السخيفة (التي
يحفظ كلماتها الان) لتذكره بنقاشٍ دار بينهما:
..: أقولك الحب سخافة وكذبة يستخدمونها عشان
يبيعون الورد والكتب والأفلام و..
..: لو مافي حب كان ما صار فيه انا وانت!
..: إلا عادي أمي تحبك وتقول سنعه وطبخك لذيذ
ههههههههههههه
..: هاها ما تضحك ! الا الحب صدق، ليش ماتفهم؟؟
هذاي أحبك زي المجنونه!
يتذكر بوضوح مالذي حدث بعد ذلك، أحس بتوقف قلبه و
تجمد المكان حوله و فرغ فمه من الكلام و عجز لسانه عن الحراك
عاد إلى الواقع ببطء وصوتها يصل إليه مختلط
النبرات! فهي لا تزال غاضبة لأنه يرفض الاعتراف بوجود الحب لكنها في ذات الوقت
غارقة في خجلها لأن إستفزازه جعلها تطرح اعترافها بالعشق دون أن يواري سوءته مجاز
ولا تورية
..: يالله مع السلامه بنام!
..: وتتركيني دايخ كذا؟
ولم يكذب! لأول مره في حياته جرب السُكر وعلق في
حاله بين الوعي واللاوعي، بقي ممسكاً بالسماعة في يده ويبتسم ببلاهة، وفي دماغه
تُقام أوبرا فاخره تُغني بالحب! وتندفع الكلمات على لسانه:
آمنت بالحُب منذ شددتُ ضفيرتك للمرة الأولى.
في اليوم التالي: وجد الرواية في غرفته وبداخلها
صورة ضفيرة، لم تناقشه بعدها حول الحب بل أصبحت تسأل: طيب قد إيش تحبني؟ ثم تعيد
السؤال بألف صيغة وبكل الطرق الملتوية لتسمع اجابته الثابتة: من مطلع هالإشاعه؟
في قرارة نفسه كان يدرك أن سؤالها صنف من الدلال
لأن عشقه لها ظاهر على حركاته وسكناته، لا أحد سيجرؤ على التحدث عنه لكنه أمرٌ
ثابت كشروق الشمس وكروية الأرض
توج عشقهم زواجٌ عائلي مارست فيها شغبها وسحر
أنوثتها وتلقى مفاجأتها بالرزانة التي توقعتها منه وهي الشيء الوحيد الذي تمنت أن
يُخيبها
..: ماقدر استهبل!
..: بس بالصور عشان نوريها عيالنا وتصير نكتة
إلتزم الصمت وفي خياله تسرف طفلتان بالصخب والضحك
وساركُل شيء على أفضل مما يُرام فما عدا بعض
الشجارات الخفيفة والمتاعب الروتينية كانت حياتهم عامره بالروتين والسعادة
إلى أن أتى ذلك اليوم!
كانت تجول في حجرتهم بشكل محموم! وتتحدث بسرعة
كعادتها حين تتحمس
..: ياربيه وش ضره مديرك لو عطاك يوم أجازه!
..: وش ضرك انتِ لو تنتظرين معاي يوم واحد؟
..: مادري بس ودي مره اروح قبلك - ثم تغمز بغنج -
يمكن بسوي لك مفاجأة أو شيء
ويالها من مفاجأة تلك التي غيرت حياته!
استيقظ من نومه على صوت جواله تأفف ظناً منه أنها
تعاود الاتصال به لتذكره أن يحضر لها ألف شيء نسيته في خضم عجلتها، لكن الرقم
الظاهر كان لوالدها وقد شرح له بهدوء: مي صار لها حادث.
كان لتلك الجملة القصيرة تأثير الانفجار على أذنيه،
همس برعب: و .. ؟؟؟
..: لم تمت! سقط على رأسها الغصن الكبير المتهالك
وهي تحاول اصلاح الأرجوحة
هو يعرف تلك الأرجوحة جيداً فقد لعبا عليها وحولها
في طفولتهما، كما شهدت لقاءاتهما الخاطفة ثم بعض ليالي السمر والأحاديث والضحكات،
كان يتخيل دوماً انه ذات يوم سيضع ابنته على تلك الأرجوحة ويخبرها بالقصص
والحكايات عن أمها
لم يفكر يوماً أن الغصن الذي حمل فرحتهما وحبهما
قد يهدم سعادته وحياته لكنه خاب أمله وانهارت أحلامه
لم يتحمل جسدها الرقيق الصدمة فدخلت في غيبوبة
طويلة لتخرج منها بدون ذاكرة!
قال الطبيب: لن تتعرف على الكثير، الأشخاص
الأساسين في حياتها فقط، التقطت ذاكرتها الضعيفة رائحة أمها وملامح أبيها وعصت عنه،
نظرت إليه بفراغ يشوبه بعض الخوف وهي تمسك بيد والدها! مين مشعل؟
أدرك حينها معنى تمزق القلب! فقد ذاته في رحلة
ضياع متواصلة، أصبح شبحاً لا يُعد وانهار كُل ما بناه لها ومعها
عادت له كل العادات السيئة وكأنه يستفز ذاكرتها
لتعود وتؤنبه، اعتاد ان يرسل لها الورد والرسائل التي تُجدد عهود العشق وتحمل
اعترافات الحُب يومياً لكنه أقلع حين قال له والدها: إحباطها يزيد وتتوجع لمّا
تقرأ كلامك! تقول: قلبي يعرفه بس أنا ماعرفه، فأخذ وجعه بعيداً وتوارى عنها، اعتاد أن يجمع الكلام الذي يريد أن يخبرها
به في دفتر لعلها تعود ذات يوم ويقرأن مافاتها يعلم جيداً أنها ستغضب إن فاتها
الكثير مما يحدث معه، فعاش وهو يبتهل: اللهم ردها إلي، اللهم أحيّني في قلبها
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق